الغزو البرتغالى على مدينة الشحر
وتعتبر مدينة الشحر من أقدم المدن التاريخية باليمن وتقع على ساحل البحر العربي (62 كيلو متر) إلى الشرق من مدينة المكلا، وتعود تسميتها بالشحر إلى الساحل "ساحل حضرموت" ونسبة إلى قبائل الشحراء المهريين الذين سكنوا فيها.
وتتميز المدينة بكثرة معالمها الأثرية والتاريخية التي تزخر بها الا انه أهم يلفت الأنظار وجود المعلم التاريخي"ضريح الشهداء السبعة".
وهو عبارة عن مبنى صغير بداخله قبر جماعي مستطيل الشكل عليه سبعة شواهد لشهداء المقاومة الشعبية ضد الغزو البرتغالي لمدينة الشحر سنة929هـ الموافق عام 1523م.
حيث جرت العادة قديماً ان يقام لهذا الضريح ما يدعى بالمولد "الحضرة" حسب تسمية أهل الشحر، أسبوعيا وظلت هذه العادة مستمرة حتى يومنا هذا
وذلك لتخليد ذكراهم على مابذلوه في سبيل الدفاع عن مدينتهم ومقاومة الاحتلال البرتغالي آنذاك.
أما تاريخ الشحر من خلال الدراسات الأثرية التي أجرتها البعثة الأثرية الفرنسية في المدينة فبينت أن المخلفات الأثرية تؤكد أن المدينة كانت قائمة في عصر الدولة العباسية التي تأسست سنة (132 هجرية) بمعنى أن تأسيس المدينة ربما كان في مطلع القرن الثالث الهجري كأقرب تاريخ ممكن.
وفيما تشير دراسات أخرى أن موقعها الجغرافي في عصور ما قبل الإسلام كانت له أهمية خاصة لوقوعه فيما بين ميناء سمهرم إلى شرقها وميناء قنا في غربها ، وهذا الخط التجاري الهام الذي كان ينقل بواسطته سلع اللبان والبخور والتوابل من ميناء سمهرم إلى ميناء قنا في تلك الفترة.
ومدينة الشحر كانت تمثل سوقاً تجارياً هاماً ،لأن السفن التي كانت تتجه من الهند إلى البحر الأحمر وعدن والعكس كان لابد لها من التوقف في الشحر سواءً للمتاجرة ، أو " كمحطة ترانزيت"، وكانت السلع التجارية الرائجة فيها: البز واللبان والـُمـر والصـبر والدخن، العنبر الدخني، إلاَّ أنها اشتهرت كثيراً باللبان الذي ينسب إليها ( اللبان الشحري ) حيث اشار آليها احد الشعراء بقوله: أذهب إلى الشحر ودع عُماناً إن لم تجد تمراً تجد لبُاناً.
وقد كانت مدينة الشحر مسورة حيث يحيط بها سور من الجهات البرية منها
تحاشياً لأي هجوم يقع عليها من القبائل المجاورة لها ولكن السور دمر من قبل البرتغاليين الذين سيطروا على الطرق التجارية البرية بين الهند والبحر الأحمر للفترة الممتدة من مطلع القرن السادس عشر إلى النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي وظلوا خلال فترة سيطرتهم على الطرق التجارية البحرية وكذلك على الإقليم الجنوبي الغربي من الهند والخليج العربي يوجهون جهودهم للسيطرة على تجارة الهند والخطوط التجارية البحرية المرتبطة بها.
وتمثلت جهودهم تلك بالقرصنة على السفن التي كانت تعبر على الخطوط التجارية المارة من الهند إلى عدن إلى جانب تنظيم حملات عسكرية على الموانئ التي تقع على الخطوط التجارية البحرية المرتبطة بالموانئ، وكانت الشحر واحدة من تلك الموانئ البحرية.
ويكفي أن نذكر حادثة من الحملات العسكرية على مدينة الشحر تعتبر نموذجاً من تلك الحملات التي توالت على المدينة حتى انتهاء سيطرة البرتغاليين على الخطوط التجارية البحرية.
ففي عام (929 هجرية ـ 1522 ميلادية) قدم البرتغاليون إلى ميناء الشحر في حوالي تسع سفن ونزلوا إلى المدينة من فجر يوم الجمعة فنشب قتال شديد بينهم وبين الأهالي إلا أن البرتغاليين تغلبوا في النهاية عليهم وقتل عدد كبير من أهل الشحر ونهبت المدينة نهباً فظيعاً، وغادروها بعد أربعة أيام ،وقد توالت حملاتهم على المدينة وعلى السفن والمراكب التي كانت ترسوا على مينائها، حيث كان البرتغاليون يعتمدون على نهب السفن ومن ثم إحراقها.
وبعد نهاية سيطرة البرتغاليين وصل إلى الشحر الهولندي " فان دون بروكة " في عام (1613م) ، ليطلب من سلطان الشحر إذناً للهولنديين بالمتاجرة في المدينة فأذن لهم بذلك ، وقد وصف بروكة ميناء الشحر بأنه ميناء حضرموت الرئيسية ، وأنه شاهد نحو (14 مركباً) راسية على الميناء، وهناك أيضاً سفن كثيرة قد وصلت أثناء إقامته بالمدينة قادمة من الهند ومن شرق أفريقيا ومن الخليج العربي.
وفي 611 هجرية سيطر الأيوبيين على المدنية وجعلوا أبن فارس عاملاً لهم عليها ولكن حدثت ثوره من قبل عمر بن مهدي في سنة ( 615هـ) الذي حاول توحيد حضرموت تحت قيادته وطرد آل فارس من الشحر وفي سنة (621هـ) استطاع سلاطين آل إقبال استعادة الشحر عاصمة أجدادهم وآبائهم بقيادة السلطان عبد الرحمن بن راشد إقبال، وفي سنة (670هـ) استطاع الرسوليون أثناء حكم المظفر الرسولي أن يستولوا على الشحر ، وظلت تحت سلطتهم حتى سنة (836 هجرية).
وبعدهم سيطر على الشحر آل أبي دجانة إلى سنة (861 هـ)، وقد استمرت سلطتهم عليها إلى سنة (883 هـ) ، فقد حدث خلال هذه الفترة في سنة (866هـ) أن استطاع واحد من آل أبي دجانة السيطرة على المدينة وطرد عامل الطاهريين منها الأمر الذي دعى السلطان الطاهري إلى تجهيز حملة لمهاجمة آل أبي دجانة، وبالفعل طرد آل أبي دجانة عن المدينة وألزم الكثيريين بمساعدة نائب الطاهريين بالمدينة ومن هنا بدأ تدخل الكثيريين في أمور الشحر.
وفي سنة (883هـ) تمكن آل أبي دجانة بقيادة أسعد بن مبارك با دجانة من الاستيلاء على المدينة ومكثت تحت سلطته إلى سنة (901هـ) إلى أن استطاع آل الكثيري استعادة المدينة في عهد سلطانهم جعفر بن عبد الله الكثيري، واستطاع السلطان الكثيري بدر أبو طويرق (922-977هـ) أن يدحر البرتغاليين في سنة (929هـ) بعد أن أعلن الجهاد بتعبئة أبناء وطنه في معركة فاصلة ، واستطاع أن يأسر الكثير منهم وأرسلهم إلى السلطنة العثمانية التي كان الكثيري يعلن ولاءه لها وهو الولاء الذي دعى السلطان العثماني أن يرسل في عام (936هـ) خلعه الولاية إلى السلطان بدر أبو طويرق الكثيري وحلل الشرف لأمرائه بواسطة القائد مصطفى بيرم الذي كان يقود حملة تركية كان هدفها القضاء على سلطة البرتغاليين في الهند.
وظلت المدينة تحت سلطة الكثيريين حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري إلى أن سيطرت عليها قبيلة من يافع هم آل بريك وكونت دويلة مستقلة فيها ، ثم استعادها الكثيريون على يد غالب بن محسن الكثيري ، في ذي الحجة سنة (1283هـ) ، واستطاع الاستيلاء عليها ، وظلت بعدها تابعة للسلطنة القعيطية حتى الاستقلال الوطني من الاستعمار الإنجليزي عام (1967م).
كتبها حضرمي من الشحر في 05:59 مساءً ::












الاسم: حضرمي من الشحر















